عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

27

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

فقلت له : يا سيدي ، هو وجّهني إليك وحضّني على القراءة عليك والقليل من مثلكم رضي اللّه عنكم كثير ، والمؤتى ما يسر الحظ منكم « 1 » أثير ، ومحل علمكم خطير ، ومقامكم كبير ، واللّه يتولّى منا أحسن « 2 » النيات وأحسن جزاءكم ، وينفعنا اللّه « 3 » في الدنيا والآخرة ببركات دعائكم ، إنه منعم كبير . وكان أبو « 4 » مروان كثير الصدقة واسع الكفّ بالعطيّة ، له بذلك في الناس أخبار مأثورة وطريق مسلوكة . ووصلت إليه يوما بطاقة من عند جاره الفقيه أبي زيد عبد الرحمن الدبّاغ « 5 » يخبره فيها بانهراش « 6 » داره ويقرر عنده حق الجوار ، ويطلب منه بناء ما انهار من الدار ، يقول في أثنائها [ هذه الأبيات ] « 7 » : بنفحة تندى حسينية * تفتح « 8 » للمكروب باب الفرج تأتي لإصلاح ربوع عفت * لعلّ ذي الأزمة أن تنفرج وعادة اللّه بنيل المنى * ما ضاق أمر قطّ إلا انبلج « 9 » فلما قرأ رحمه اللّه البطاقة وجّه إلى داره من الصّنّاع من شهر منهم بالإتقان والانطباع ، فأقبلوا على بنائها مواصلين مساءهم فيها وصباحهم ، وموالين غدوّهم برواحهم ، حتى كملت على أحسن الهيئات ، وفوق ما أمّل صاحبها فيها من الإرادات . ولم يزل رحمه اللّه مستمرا على أفضل ما عرف به من حمد الطّريقة ، وبسط اليد بالصّدقة ، مستصحبا بعلوّ الهمّة ، والإكباب على نثر العلم والإفادة ، والشؤون المهمة ، إلى أن جرت عليه محنة ، وأزعجت الملك عن وطنه ، وغرّبه عن سكنه ، وشرّق به القدر ، فدخل طرابلس لا يستظهر إلا قميصا ، ولا يستبطن إلا قلبا تقيا ، وبطنا خميصا . وذلك في سنة 638 ه . فاستقرّ بها معتقلا ، واستقرّ مقامه فيها نحو السنتين . ثم إن الملك سرّحه من ثقافه ، واعترف بفضله وإعفافه ، على رغم الذين سعوا عليه ، ورجع إلى بلده .

--> ( 1 ) سقط من : ت . ( 2 ) ت : إحسان . ( 3 ) سقط من : ت . ( 4 ) ت ، ط : ابن . والصواب ما أثبتناه . ( 5 ) انظر ترجمته رقم ( 350 ) . ( 6 ) بانهراش داره : بإسقاط داره وهدمها . ( 7 ) سقط من : ت . ( 8 ) ت : أتفتح . ( 9 ) ت : انفلج .